المهدي الموعود وغيبته في المتفق عليه من السُنّة

اذهب الى الأسفل

المهدي الموعود وغيبته في المتفق عليه من السُنّة

مُساهمة من طرف hussain1 في الخميس أغسطس 21, 2008 1:14 pm

المهدي الموعود وغيبته في المتفق عليه من السُنّة


الى جانب الآيات الكريمة المتقدمة توجد بين أيدينا الكثير من الأحاديث الشريفة التي صحت روايتها عند أهل السنة والشيعة عن سيد المرسلين(صلى الله عليه وآله) بطرق كثيرة، تؤكد دلالات الطائفة المتقدمة من الآيات الكريمة وتفصل مجملاتها وتكمل الصورة التي ترسمها فيما يرتبط بالدلالة على وجود الإمام المهدي الموعود(عليه السلام) بالفعل وغيبته وتصرح بالمصداق الذي دلت عليه الآيات الكريمة بذكر صفاته العامة.

ونختار هنا نماذج من الأحاديث الشريفة المتواترة أو المستفيضة المروية بأسانيد صحيحة عند أهل السنة والمروية في الكتب الستة المعتمدة عندهم لأن الاحتجاج بها أبلغ، ولأن تفسيرها وتقديم المصداق المعقول لها غير ممكن إلا على ضوء عقيدة أهل البيت في المهدي المنتظر(عليه السلام) فيما يرتبط بعصرنا الحاضر خاصة; ولأن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، قد صرح في هذه الأحاديث المختارة بالأهمية القصوى التى تحظى بها مضامينها كما سنرى.

1 ـ حديث الثقلين
وهو من الأحاديث المتواترة، رواه حفاظ أهل السنة والشيعة بأسانيد صحيحة عن جم غفير من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، عدَّ ابن حجر ـ من علماء أهل السنة ـ أكثر من عشرين منهم في كتابه الصواعق المحرقة[1] وعدَّ غيره من حفّاظ أهل السنة أكثر من ثلاثين صحابياً كما في سنن الترمذي[2]، وألّف الحافظ أبو الفضل المقدسي المعروف بابن القيسراني ـ وهو من كبار حفّاظ أهل السنّة ـ كتاباً خاصاً عن طرق هذا الحديث الشريف[3]. كما أثبتت العديد من الدراسات الحديثية تواتره بما لا يدع أي مجال للنقاش أو التشكيك، نظير ما فعل العلامة المتتبع المير حسين حامد الموسوي في موسوعة عبقات الأنوار وغيره من العلماء[4].

ويتضح من روايات هذا الحديث الشريف أن النبي المكرم (صلى الله عليه وآله) قد كرر مضمونه بعبارات وألفاظ متقاربة في عدة مناسبات، منها في يوم عرفة من حجة الوداع، وموقف يوم الغدير في طريق عودته منها وبعد انصرافه من الطائف، وفي الجحفة، وفي خطبة له في مسجده بالمدينة بعد عودته من هذه الحجة، وفي حجرته أيام مرضه (صلى الله عليه وآله) وقد امتلأت الحجرة بالصحابة[5]. وكل ذلك يكشف عن أهمية الوصية النبوية التي تضمنها الحديث بالنسبة للإسلام والمسلمين وإلا لما أولاها ـ وهو الحريص على المؤمنين الرؤوف الرحيم بهم ـ كل هذا الاهتمام في التكرار والتبليغ في تلك المواطن المهمة التي تجمع أكبر عدد من المسلمين، خاصة وأنه(صلى الله عليه وآله) كان يبادر لإعلان هذه الوصية ويؤكدها على الملأ العام دون أن ينتظر مَن يسأله عنها.

ويستفاد من بعض الروايات أن مضمون الوصية التي تضمنها هذا الحديث الشريف، هو الذي أراد رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) كتابته للمسلمين في الأيام الأخيرة من حياته المباركة عندما طلب أن يأتوه بكتف ودواة ليملي عليهم وصية لكي لا يضلوا بعده، كما ورد في نص حديث الكتف والدواة هذا المروي في صحيح البخاري[6] وغيره فمنعوه من ذلك ووقع الاختلاف فصرفهم كما في حديث رزية يوم الخميس المشهور دون أن يدون الوصية، إذْ يُلاحظ أن عبارة «لن تضلوا بعدي » المذكورة في حديث طلبه كتابة الوصية عبارة متكررة في حديث الثقلين أيضاً، كما تكررت وصيته بأهل بيته وعترته خيراً في حديث الثقلين وفي وصاياه في الساعات الأخيرة من حياته المباركة.

ويظهر من ذلك بوضوح أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أراد تسجيل مضمون الحديث الشريف في وثيقة نبوية حاسمة للجدال مدونة بحضور كبار صحابته قطعاً للجدال وتوكيداً للأمر. وكل ذلك يبيّن أن الموضوع الذي يتضمنه مهم للغاية وإلا لما أكد عليه هادي الأمم (صلى الله عليه وآله) بهذه الدرجة المشددة، وهذا الأمر يكشف عنه نص الحديث نفسه المصرح بأن العمل بالوصية التي يتضمنها هو سبيل النجاة من الضلالة بعده (صلى الله عليه وآله)... كما سيتضح أكثر خلال دراسة نصه.

كما أن ثبوت تواتر الحديث الشريف عند المسلمين كافة يجعل من الممكن الاستناد اليه في المسائل الاعتقادية كما هو ثابت في علم الكلام الاسلامي، لذا يمكن الاستناد اليه في قضية الإمامة .

اللفظ المتواتر : كتاب الله وعترتي
واللفظ المتواتر لهذا الحديث الشريف هو الذي ورد فيه ذكر القرآن الكريم وأهل بيت النبي أو عترته ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ـ كمصداق للثقلين والأمر بالتمسك بهما منجاة من الضلالة الى يوم القيامة، طبق ما رواه البخاري في كتابه التأريخ الكبير ومسلم في صحيحه والترمذي في سننه وكذلك النسائي في خصائصه وابن ماجه في سننه، وأحمد بن حنبل في مسنده، والحاكم في مستدركه وصححه على شرط الشيخين ووافقه في ذلك الذهبي، وغيرهم كثير[7]، وما أخرجه مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم هو قوله: «... قام رسول الله(صلى الله عليه وآله) فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر، ثم قال :

«أما بعد، أيها الناس، فإنما أنا بشر ويوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به... وأهل بيتي اذكركم الله في أهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي »[8].

وأخرج الترمذي في سننه بسنده عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: « إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدودٌ من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما »[9].

وأخرج الحاكم في مستدركه ما نصّه:

«كأنني قد دعيت فأجبت، إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله

وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا [يتفرقا] حتى يردا عليَّ الحوض، إن الله مولاي، وأنا ولي كل مؤمن. مَنْ كنت مولاه فعليٌّ مولاه. اللهم وال من والاه وعادِ مَن عاداه »[10].

وأخرج ابن حجر في صواعقه ما نصّه :

« إني مخلفٌ فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم »[11].

والألفاظ الأخرى التي أخرجها باقي الحفاظ مقاربة لهذه النصوص. وفي جميعها ورد الحديث بلفظ «كتاب الله وأهل بيتي»، وهو اللفظ المتواتر، لذا فلا اعتبار في مقابله باللفظ المحرف الذي استبدل عبارة « عترتي أهل بيتي» بكلمة «سنتي»، فأهداف هذا التحريف واضحة والإصرار على ترويجه ارتبط بمصالح الأمويين والعباسيين السياسية، يُضاف الى ذلك أن هذا اللفظ المحرف لم يُرو في المصادر المعتبرة[12]، وهو في أفضل الأحوال من روايات الآحاد الضعيفة التي لا تفيد علماً ولا عملاً خاصة في مسألة عقائدية مهمة كالتي يتناولها مضمون الحديث.

وحتى لو فرضنا صحة رواية هذا اللفظ المحرف ـ كما فعل ابن حجر في صواعقه ـ فانّ ذلك لا يعارض اللفظ المتواتر ولا ينقص من دلالته العقائدية المهمة، بل إن الجمع بينهما ممكن وهو يضيف تأكيداً لحقيقة أن سنة الرسول (صلى الله عليه وآله) هي عند أئمة عترته فهم العلماء بالكتاب والسنة، كما أشار لذلك ابن حجر حيث قال: «... وفي رواية « كتاب الله وسنتي » وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب لأن السنة مبينة له; فأغنى ذكره عن ذكرهما، والحاصل أن الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل البيت، ويُستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة الى قيام الساعة»[13].

دلالات الحديث على وجود الإمام
دلالات الحديث الشريف كثيرة، وقد استدل به العلماء لاثبات معظم مسائل الإمامة حسب مذهب أهل البيت (عليهم السلام)[14]، نقتصر هنا على ذكر أهمها ممّا يرتبط بموضوع بحثنا خاصة.

1 ـ صرّح الحديث الشريف بأن سبيل النجاة من الضلالة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، إنما يكون بالتمسك بالقرآن والعترة النبوية معاً : « ما إن تمسكتم بهما »، وليس بواحد منهما فقط، بمعنى أن التمسك بأحدهما لا يكون تاماً وحقيقياً ولن يضمن النجاة من الضلالة إلا إذا اقترن وقاد الى التمسك بالآخر، فلن يكون مدعي التمسك بأحدهما صادقاً في ادعائه لأنهما « لن يفترقا» .

2 ـ حدّد الحديث بوضوح هوية الثقل الثاني بقوله (صلى الله عليه وآله) : « عترتي أهل بيتي »، والعترة كما يقول علماء اللغة : «نسل الإنسان، قال الأزهري: وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه ولا تعرف العرب من العترة غير ذلك »[15].

وبهذا تخرج نساء النبي (صلى الله عليه وآله) من مصداق الحديث.

بل وحتى مع الأخذ بوصف « أهل بيتي » مجرداً تخرج نساء النبي من المصداق لما أخرجه مسلم في صحيحه في ذيل حديث الثقلين حيث وضّح راوي الحديث عن زيد بن أرقم المقصود عندما سألوه : «مَن أهل بيته، نساؤه؟ قال : لا وأيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل من الدهر ثم يطلقها فترجع الى أبيها وقومها . أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة من بعده»[16] .

[1] الصواعق المحرقة : 150 من الطبعة المصرية وقد صرح ابن حجر بتواتره.

[2] سنن الترمذي: 5/ 621 ـ 622 ـ مناقب أهل بيت النبي باب 32.

[3] أهل البيت في المكتبة العربية للسيد عبدالعزيز الطباطبائي : 277 ـ 279.

[4] أصدرت دار التقريب الإسلامية في مصر رسالة مفصلة ألفها أحد أعضاء الدار عن هذا الحديث استوفى فيها أسانيد الحديث في الكتب المعتمدة عند أهل السنة.

[5] الصواعق المحرقة لابن حجر: 148، أهل البيت في المكتبة العربية : 279.

[6] صحيح البخاري: 1/ 37، 4/ 31، 4/ 65 ـ 66، 5/ 137،، 7/ 9، 8/ 161 من طبعة دار الفكر المصورة عن طبعة استانبول وفي جميعها وردت عبارة «لن تضلوا بعدي» في الحكاية عن مضمون الكتاب الذي أراد كتابته.

[7] راجع تلخيص وتعريب السيد علي الميلاني للجزء الخاص بطرق حديث الثقلين من موسوعة عبقات الأنوار وقد طبع هذا التلخيص مرتين. الأولى في مجلدين والثانية في ثلاث مجلدات.

[8] صحيح مسلم : 4/ 1873.

[9] سنن الترمذي : 5/ 662.

[10] المستدرك على الصحيحين : 3/ 109.

[11] الصواعق المحرقة : 150، الفصل الأول / الآيات الواردة فيهم.

[12] راجع رسالة الثقلين الصادرة عن دار التقريب الإسلامية في مصر : 18 وراجع مناقشة السيد محمد تقي الحكيم لإعتبار هذه الرواية ضمن حديثه عن دلالات حديث الثقلين في فصل السنة من كتابه الأصول العامة للفقه المقارن.

[13] الصواعق المحرقة : 150.

[14] راجع مثلاً كتاب «حديث الثقلين»، تواتره، فقهه» للسيد علي الميلاني.

[15] المصباح المنير للفيومي : 391، مادة العترة.

[16] صحيح مسلم: 2/ 362.
avatar
hussain1
ثائر نشيط
ثائر نشيط

عدد الرسائل : 194
وسام :
تاريخ التسجيل : 21/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المهدي الموعود وغيبته في المتفق عليه من السُنّة

مُساهمة من طرف hussain1 في الخميس أغسطس 21, 2008 1:18 pm

مصداق أهل البيت(عليهم السلام)
وقد حدّد رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه مصداق « أهل البيت » بعد نزول آية التطهير، حيث خصصها ببيت فاطمة (عليها السلام)، حيث «انه كان يمر ببيت فاطمة رضي الله عنها ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر فيقول: الصلاة يا أهل البيت، (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)، كما روى ذلك أحمد بن حنبل في مسنده[1].

يُضاف الى ذلك تصريحه بأن هؤلاء هم أهل بيته في حديث الكساء المشهور وإخراجه زوجته أم المؤمنين أم سلمة منهم وقوله لها إنها على خير لكنها ليست من أهل البيت. وحديث الكساء رواه مسلم في صحيحه والسيوطي في الدر المنثور بعدة أسانيد صحيحة طبق طرق أهل السنة[2].

والثابت أن الإمام عليّاً (عليه السلام) أدخله في مصداق «أهل البيت » وان لم يكن من صلبه كما هو ظاهر مما تقدم.

عصمة الإمام وتوفر شروط الحديث
3 ـ إنّ معرفة مصداق « أهل بيتي وعترتي » في الحديث الشريف تبين صفة أخرى للثقل الثاني هي تحلّيه بالعصمة كما هو واضح من دلالة آية التطهير المباركة[3]، وهذا ما ينسجم مع دلالة الحديث نفسه على عصمة الثقل الثاني، فهو يؤكد عدم افتراق الثقلين أبداً وفي أي حال كما هو المستفاد من استخدام أداة «لن» التأبيدية، ومن الثابت أنّه لا باطل في القرآن ابداً، لذا فعدم افتراق الثقل الثاني عنه دالّ على عصمته وإلاّ لافترق عن القرآن في حالات صدور الخطأ أو المعصية وكل مصاديق الباطل، وهذا ما ينفيه الحديث صراحةً الأمر الذي يدل على عصمة العترة.

ويُضاف الى ذلك أن الأمر بالتمسك بهما معاً مطلق ـ كما هو واضح لأنه لم يُقيّد بشيء ـ ; لذلك فهو يشمل مختلف الأحوال والأزمان، ولو جاز وقوع العترة بما يخالف العصمة لأدّى ذلك الى القول بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر بالتمسك بها حتى في الحالات التي تقع في الخطأ وما يخالف القرآن، وهذا محال.

كما يتضح مما تقدم إخراج غير المعصومين من ذرية الرسول من مصداق الثقل الثاني المأمور بالتمسك به، يقول ابن حجر في دراسته لهذا الحديث : «ثم إن الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب الى الحوض ويؤيده الخبر السابق: «ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم» وتميزوا بذلك عن بقية العلماء لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة وقد مر بعضها »[4].

وقد أثبت الواقع التأريخي انحصار توفر هذا الشرط بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الإمام علي والأحد عشر إماماً من أولاده وأولاد فاطمة بنت رسول الله أي من ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما نسب نبي الله عيسى الى ابراهيم من جهة البنت. فالإمامية مجمعون على عصمتهم وسائر فرق أهل السنة مجمعة على محبتهم ونزاهتهم ولم يدع أحد صدور أي شيء يخالف عصمتهم رغم حرص الحكومات المعاصرة لهم على الحصول على أي شيء من هذا القبيل كما هو ثابت تأريخياً أيضاً[5].

4 ـ كما أن الأمر بالتمسك بالقرآن والعترة مطلقٌ زمانياً أيضاً كما هو واضحٌ من قوله (صلى الله عليه وآله) : «من بعدي » دونما تقييد، فهو نافذ المفعول الى يوم القيامة لخلود الشريعة المحمدية حيث لا نبي بعده (صلى الله عليه وآله)، وحيث إن القرآن محفوظ من الله تبارك وتعالى، والعترة هي الثقل الملازم له الذي لن يفترق عنه، لذلك فهي محفوظة من الله تبارك وتعالى الى يوم القيامة أيضاً.

من هنا يتضح أن في هذا الحديث الشريف المتواتر نصاً صريحاً على حتمية وجود ممثل لأهل بيت النبي وعترته (صلى الله عليه وآله) يتحلى بالعصمة وملازمة القرآن في كل عصر لكي يتمسك العباد به وبالذكر الإلهي المحفوظ بهدف النجاة من الضلالة عملاً بوصية نبيهم الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله)، وإلا لبطل مضمون هذا الحديث المتواتر الذي ثبت صدوره عمن لا ينطق عن الهوى.

فلابد إذن من وجود إمام معصوم من العترة النبوية في عصرنا الحاضر يكون مصداقاً للثقل الثاني ويكون التمسك به ممكناً. وقد تنبه لهذه الحقيقة والدلالة الواضحة في حديث الثقلين عدد من كبار علماء أهل السنة وصرح بعضهم بها، مثل ابن حجر الهيثمي حيث قال: وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة الى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به الى يوم القيامة كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض كما يأتي ويشهد لذلك الخبر السابق : «في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ... »[6].

مصداق الحديث في العصر الحاضر
إذن الحديث الشريف يدل بصراحة على وجود متأهل من عترة النبي(صلى الله عليه وآله) للتمسك به الى جانب القرآن الكريم في عصرنا الحاضر ويشترط فيه أن يكون معصوماً أيضاً، فَمن هو هذا الإمام؟

من الواضح أن ليس ثمة إمام ظاهر يدعي ذلك أو تنطبق عليه الصفات المستفادة من هذا الحديث الشريف، فلابد إذن من القول بوجوده وغيبته لأن القول بعدم وجوده مردود بدلالة حديث الثقلين المتواتر، وهذه هي خلاصة عقيدة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في المهدي الموعود القائمة على الكثير من الأدلة النقلية والعقلية والقائلة بوجوده وغيبته عن الأبصار دون أن تمنع غيبته إمكانية الانتفاع به كما ينتفع بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحاب.

2 ـ احاديث الخلفاء الاثني عشر
روى أحاديث الخلفاء أو النقباء أو الأمراء أو القيمين الاثني عشر، أصحاب الصحاح والمسانيد المعتبرة عند أهل السنة بأسانيد صحيحة عن جابر ابن سمرة، كما رووها عن أنس بن مالك وابن مسعود وعبدالله بن عمر وحذيفة بن اليمان، وكلها مسندة الى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومضمون الحديث مروي ـ بتفصيل أكثر ـ وبتواتر من طرق أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وقد نقل آية الله الشيخ لطف الله الصافي أكثر من (270) حديثاً بهذا الشأن[7].

فهذه الأحاديث من المتفق عليه بين الفرق الاسلامية فلا مجال للتشكيك في صحة المقدار المشترك بينها على الأقل. لكننا نكتفي هنا بالنصوص المروية في الكتب المعتبرة عند أهل السنة وتحديد دلالتها ومصداقها ـ على الرغم من خلوها من التفصيلات الموجودة في أحاديث الطرق الاخرى لاسباب واضحة ـ لكي تكون النتيجة حجة على الجميع .

ألفاظ الأحاديث
روى البخاري في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول : «يكون إثنا عشر أميراً»، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: «كلهم من قريش ».

ورواه مسلم في صحيحه من عدة طرق عن جابر بن سمرة وبعدة ألفاظ وفي بعضها لفظ:

« إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي إثنا عشر خليفة... ».

« لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم إثنا عشر رجلاً...».

« لا يزال الإسلام عزيزاً الى إثني عشر خليفة...».

وتشترك هذه الأحاديث في أنه لم يسمع ذيل الحديث فأخبره والده بلفظ « كلهم من قريش » وهي التتمة الواردة في معظم نصوص الحديث.

ورواه الترمذي بلفظ : « يكون من بعدي إثنا عشر أميراً ... » وأبو داود بلفظ: «لا يزال هذا الدين عزيزاً الى اثني عشر خليفة، فكبّر الناس وضجوا ثم قال كلمة خفيت، قلت لأبي : يا أبه ما قال ؟ قال: كلهم من قريش ».

ورواه أحمد في مسنده بطرق كثيرة منها بلفظ : « لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، ... »، وفي بعضها أن ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو: «لا يزال هذا الدين ظاهراً على مَن ناواه، لا يضره مخالف ولا مفارق حتى يمضي من أُمتي إثنا عشر أميراً ...»، وفي روايات اُخرى أنه قاله في عرفات، وفي أخرى في يوم جمعة عشية رجم الأسلمي، وفي بعضها أن الرسول عقب عليه بالقول : « ... وإذا أعطى الله تبارك وتعالى أحدكم خيراً فليبدأ بنفسه وأهله وأنا فرطكم على الحوض »، وفي بعضها أن قريشاً جاءت اليه (صلى الله عليه وآله) وسألته عما يكون بعد ذلك فقال : «الهرج».

ورواه الطبراني في المعجم الكبير وفي أوله : « يكون لهذه الأمة إثنا عشر قيماً لا يضرهم من خذلهم ... ».

ورواه المتقي الهندي في كنز العمال عن أنس بن مالك بلفظ : « لن يزال هذا الدين قائماً الى اثني عشر من قريش فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها»[8].

[1] مسند أحمد بن حنبل: 3/ 259.

[2] راجع مثلاً صحيح مسلم: 7/ 130، وما رواه الحاكم في المستدرك وصححه على شرط البخاري في: 3/146، والدر المنثور للسيوطي: 5/ 198.

[3] راجع البحث القرآني الذي أورده العلامة الطباطبائي(رحمه الله) في تفسير الميزان، في تفسير الآية الكريمة ودلالاتها.

[4] الصواعق المحرقة : 151.

[5] راجع تراجمهم ـ سلام الله عليهم ـ فيما كتبه علماء الرجال من أهل السنة، وقد ألف العديد منهم كتباً خاصة بالأئمة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام)، أمثال ابن طولون الدمشقي وغيره.

[6] الصواعق المحرقة : 151.

[7] راجع كتابه : منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر.

[8] راجع هذه النصوص والتعريف بمصادرها في كتاب منتخب الأثر ومعجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): 2 / 255 ـ 265، وكذلك كتاب أحاديث المهدي في مسند أحمد بن حنبل.

avatar
hussain1
ثائر نشيط
ثائر نشيط

عدد الرسائل : 194
وسام :
تاريخ التسجيل : 21/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المهدي الموعود وغيبته في المتفق عليه من السُنّة

مُساهمة من طرف عودة في الخميس أغسطس 21, 2008 2:43 pm

مشكور ابو علي على هذه المعلومات القيمه
وكل شيء قابل للبداء
اللهم عجل فرج وليك

عودة
ثائر مميز
ثائر مميز

عدد الرسائل : 247
تاريخ التسجيل : 21/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى